لم يعد الحصول على وظيفة أو راتب ثابت هو نقطة البداية للعلاقة بين الشاب والبنك، بعدما اتجهت المؤسسات المصرفية في البنوك إلى الوصول للعملاء في مراحل عمرية مبكرة، من خلال حسابات وبطاقات وخدمات رقمية تستهدف فئات تبدأ من 16 أو 18 عامًا.

ولا تبدو هذه الاستراتيجية مرتبطة بحجم الأموال التي يستطيع الشاب إيداعها في حسابه خلال هذه المرحلة، بقدر ما ترتبط بما يمكن أن تمثله العلاقة المصرفية على المدى الطويل. فالحساب الذي يبدأ بإمكانيات مالية محدودة اليوم، قد يتحول بعد سنوات إلى بوابة لمجموعة واسعة من الخدمات مع تغير دخل العميل واحتياجاته.

البداية المبكرة تصنع سلوكًا مصرفيًا

تأتي أهمية استهداف الشباب في وقت يبدأ فيه الفرد تدريجيًا في إدارة أمواله بصورة أكثر استقلالية. ومع وجود المصروفات الشخصية أو التحويلات الأسرية أو حتى دخل من عمل جزئي، يصبح الشاب أكثر احتكاكًا بوسائل الدفع والحسابات والخدمات الإلكترونية.

وفي هذه المرحلة، يمكن للبنك أن يتحول من مجرد مقدم خدمة إلى جزء من النمط المالي اليومي للعميل. فاستخدام تطبيق مصرفي معين، أو بطاقة محددة، أو الاعتماد على وسيلة بعينها في تحويل الأموال وسداد المشتريات، قد يخلق درجة من الاعتياد تجعل تغيير البنك في المستقبل أقل احتمالًا.

لكن دخول العميل المصرفي في سن مبكرة لا يعني حصوله تلقائيًا على جميع المنتجات والخدمات المتاحة للبالغين؛ إذ تختلف طبيعة الحسابات والحدود المطبقة على من هم دون 18 عامًا وفقًا للقواعد الخاصة بكل بنك ومنتج، بينما يتيح بلوغ 18 عامًا نطاقًا أوسع من الخدمات وفقًا للضوابط المعمول بها.

الهدف الحقيقي للبنوك ليس رصيد اليوم

من منظور القطاع المصرفي، لا يمكن تقييم العميل الشاب فقط وفقًا لما يملكه حاليًا في حسابه.

فالطالب الذي يبدأ بحساب مصرفي بسيط يمكن أن تتغير احتياجاته المالية بصورة كبيرة خلال سنوات قليلة. وبعد دخوله سوق العمل، قد يصبح راتبه محولًا إلى البنك نفسه، ثم يبدأ في استخدام بطاقات الائتمان، أو يبحث عن قرض شخصي، أو تمويل لشراء سيارة، أو تمويل عقاري، إلى جانب المنتجات الادخارية والاستثمارية.

وبالتالي، فإن القيمة التجارية للعلاقة لا تظهر بالضرورة في بدايتها، وإنما مع تطور حياة العميل المالية.

من الحساب إلى منظومة خدمات كاملة

هذا التغير في احتياجات العملاء يفسر اهتمام البنوك بتطوير منتجات مخصصة للشباب، إلى جانب الحسابات منخفضة التكلفة والبطاقات والخدمات الرقمية.

كما أصبحت سهولة التعامل عبر التطبيقات ووسائل الدفع الإلكترونية عاملًا مهمًا في المنافسة على هذه الفئة، خصوصًا أن الشاب الذي يعتاد تنفيذ معاملاته من الهاتف قد يضع تجربة الاستخدام ضمن معايير اختياره للبنك، وليس فقط أسعار الخدمات أو قرب الفرع من منزله.

وهكذا تحاول البنوك بناء علاقة تبدأ بمنتج بسيط، ثم تتوسع تدريجيًا كلما انتقل العميل إلى مراحل جديدة في حياته.

التحول الرقمي

ساهم انتشار الهواتف الذكية ووسائل الدفع الإلكتروني في تقديم توقيت استخدام الخدمات المالية إلى سن أصغر. فلم تعد ممارسة العديد من المعاملات المالية مرتبطة بالضرورة بوجود وظيفة أو راتب شهري، بعدما أصبحت الأدوات الرقمية جزءًا من الحياة اليومية.

ومنحت هذه البيئة البنوك فرصة للوصول إلى العملاء قبل مرحلة الدخل المستقل، خاصة مع ارتفاع أهمية التطبيقات والخدمات الإلكترونية في تجربة المستخدم.

وفي الوقت نفسه، يتقاطع استهداف الشباب مع أهداف الشمول المالي، من خلال توسيع قاعدة الأفراد الذين يتعاملون مع المؤسسات المالية الرسمية ويستخدمون الحسابات وأدوات الدفع والخدمات المصرفية.

لكن هذا الجانب لا يلغي الدافع التجاري، إذ تراهن البنوك على أن العميل الذي يدخل النظام المصرفي مبكرًا يمكن أن ترتفع قيمة علاقته بها تدريجيًا مع تقدمه في العمر.

رهان يمتد لـ15 عامًا

إذا نظر البنك إلى العميل الشاب باعتباره علاقة تمتد لعقد أو أكثر، فإن حجم الرصيد في بداية الرحلة يصبح أقل أهمية من القدرة على الاحتفاظ به.

فخلال 10 أو 15 عامًا، قد ينتقل العميل من طالب يعتمد ماليًا على أسرته إلى موظف يمتلك دخلًا منتظمًا، ثم تبدأ احتياجاته في التوسع من الحساب الأساسي ووسائل الدفع إلى الائتمان والتمويل والادخار والاستثمار.

ومن هنا تتحول المنافسة المصرفية إلى سباق مبكر على بناء الولاء؛ فالبنك الذي ينجح في أن يكون جزءًا من أولى تجارب العميل المالية قد تكون لديه فرصة أكبر ليظل خياره عند حصوله على أول راتب، أو طلب أول بطاقة ائتمان، أو التفكير في شراء سيارة أو عقار، أو بدء الاستثمار.

في النهاية، فإن استهداف الشباب قبل الحصول على أول راتب لا يمثل بحثًا عن أموال كبيرة في الوقت الحالي، وإنما محاولة لبناء علاقة مصرفية طويلة الأجل قبل أن تتشكل احتياجات العميل المالية بشكل كامل. فبالنسبة للبنوك، قيمة العميل لا تُقاس فقط بما يملكه اليوم، وإنما بما يمكن أن تصبح عليه علاقته المصرفية خلال السنوات المقبلة.